أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

367

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدهما : أنها في محل نصب بفعل محذوف تقديره قال اللّه وأرزق من كفر ، ويكون « فأمتعه » معطوفا على هذا الفعل المقدر . والثاني من الوجهين : أن يكون في محل رفع بالابتداء و « فأمتعه » الخبر دخلت الفاء في الخبر تشبيها له بالشرط ، وسيأتي أن أبا البقاء يمنع هذا والرد عليه . الثاني من الثلاثة الأوجه : أن تكون نكرة موصوفة ذكره أبو البقاء ، والحكم فيها ما تقدم من كونها في محل نصب أو رفع . الثالث : أن تكون شرطية ومحلها الرفع على الابتداء فقط و « فأمتعه » جواب الشرط . ولا يجوز في « من » في جميع وجوهها أن تكون منصوبة على الاشتغال ، أما إذا كانت شرطا فظاهر لأن الشرطية إنما يفسر عاملها فعل الشرط لا الجزاء ، وفعل الشرط هنا غير ناصب لضميرها بل رافعه ، وأما إذا كانت موصولة فلأن الخبر الذي هو « فأمتعه » شبيه بالجزاء ، ولذلك دخلته الفاء ، فكما أن الجزاء لا يفسر عاملا فما أشبهه أولى بذلك ، وكذا إذا كانت موصوفة ، فإن الصفة لا تفسر ، وقال أبو البقاء : لا يجوز أن تكون « من » مبتدأ و « فأمتعه » خبر ؛ لأن الذي لا تدخل الفاء في خبرها إلا إذا كان الخبر مستحقا بالصلة ، نحو : الذي يأتيني فله درهم ، والكفر لا يستحق به التمتع ، فإن جعلت الفاء زائدة على قول الأخفش جاز ، أو « جعلت » الخبر محذوفا و « فأمتعه » دليلا عليه جاز تقديره : ومن كفر أرزقه فأمتعه ، ويجوز أن تكون « من » شرطية ، والفاء جوابها ، وقيل : الجواب محذوف تقديره : ومن كفر أرزق و « من » على هذا رفع بالابتداء ، ولا يجوز أن تكون منصوبة ، لأن أداة الشرط لا يعمل فيها جوابها ، بل فعل الشرط انتهى . أما قوله : « لأن الكفر لا يستحق به التمتع » فليس بمسلم بل التمتع القليل والمصير إلى النار مستحقان بالكفر ، وأيضا فإن التمتع وإن سلمنا أنه ليس مستحقا بالكفر ، ولكن قد عطف عليه ما هو مستحق به ، وهو المصير إلى النار ، فناسب ذلك أن يقعا جميعا خبرا ، وأيضا فقد ناقض كلامه لأنه جوز فيها أن تكون شرطية ، وهل الجزاء إلا مستحق بالشرط ومترتب عليه ، فكذلك الخبر المشبه به ، وأما تجويزه زيادة الفاء وحذف الخبر أو جواب الشرط فأوجه بعيدة لا حاجة إليها وقرئ : أمتعه مخففا من أمتع يمتع ، وهي قراءة ابن عامر ، وفأمتعه بسكون العين وفيها وجهان : أحدهما : أنه تخفيف كقوله : 724 - فاليوم أشرب غير مستحقب * . . . « 1 » والثاني : أن الفاء زائدة وهو جواب الشرط ، فلذلك جزم بالسكون ، وقرأ ابن عباس ومجاهد « فأمتعه ثم أضطره » على صيغة الأمر فيهما ووجهان ، أن يكون الضمير في « قال » لإبراهيم يعني سأل ربه ذلك ، ومن على هذه القراءة يجوز أن تكون مبتدأ ، وأن تكون منصوبة على الاشتغال بإضمار فعل سواء جعلتها موصولة أو شرطية ، إلا أنك إذا جعلتها شرطية قدرت الناصب لها متأخرا عنها ، لأن أداة الشرط لها صدر الكلام .

--> ( 1 ) تقدم .